منتديات الفنك
اسم المستخدم
كلمة المرور
نسيت كلمة المرور؟
الرئيسية القوانين الأعضاء آخر المشاركات تسجيل الدخول التسجيل في المنتدى
منتديات الفنك » العلوم السياسية » الفكر السياسي الغربي المسيحي

الفكر السياسي الغربي المسيحي

رد جديد
22 سبتمبر 2012 - 13:46
عضو

تاريخ التسجيل: 26 فيفري 2012
المشاركات: 37
معدل المشاركة: 0.04
نقاط التميز: 3
الجنس: 
اقتباس

الفكر السياسي المسيحي

بين السياسة و الفضيلة

1ـ المسيحية وعلم السياسة

لقد حدد أفلاطون موت سقراط بمعنيين : سقراط انحنى أمام القرار الذي أدانه بالموت، رفض الهرب عندما جاءته الفرصة وذلك بسبب طاعته وواجب احترامه لقوانين المدينة. من هنا إنه يظهر للجميع أن الفيلسوف هو مواطن صالح بامتياز، وأن وفاءه تجاه المدينة يصل إلى حد التضحية بحياته مقابل قرار ظالم. ولكن من خلال موقفه إنه يقول شيئا آخرا: " إنه يجسد عظمة الحياة الفلسفية، إنه يشهد بالرقي و السمو الأخلاقي". إن عظمة الموت عند سقراط أعطت للإنسان هيبته التي بقيت واستمرت عبر العصور.

لقد علمنا سقراط أن السياسة فن مُضاء بالفلسفة، منظم و مرتب باتجاه غايات و نهايات عقلية أو أخلاقية، يقاد بواسطة فضيلة التعقل و الحكمة. و يعلمنا أيضا أن الخير في السياسة يعتمد أولا على ناس خيّّرين و أنه لا يوجد أي نظام يمكن أن يسمح بتجاوز الفضيلة بالنسبة للقائمين عليه. بعد هذا المفهوم السقراطي سيأتي المسيحيون و يغيرون هذا الفهم، ثم يأتي المحدثون و يقومون بعكسه.

  ولكن،كل التغيرات في فهم السياسة و علومها بعد المسيحية تقودنا لطرح مجموعة من الأسئلة كانت قد طرحت بأشكال متعددة منذ حدوث هذه التغيرات التاريخية: ما هي الطريقة الأفضل للتفكير بالسياسة ؟ هل نستند إلى " الكلام السماوي" ؟ هل نبحث عن السياسة من باب الفضيلة فقط أم نطبق عليها كل تقنيات العلوم ؟ هل على العقل النظري إدارة و قيادة العملي؟ وهل يمكن أن يكون الله حاضرا دائما في السياسة؟

من أثينا إلى مكة مرورا بالقدس، مصادر " علم السياسة " تختلف بطبيعتها : فالمصدر الأساسي ليس أبدا أو دائما داخل العقل ولكنه أيضا داخل الوحي. فالأفكار لا تأتي دائما أو نهائيا من الإنسان الباحث عن اكتشاف العالم، إنها تأتي من الله " الواحد" وهو صاحب السيادة و الذي يرسل للناس ويبقى محاطا بالغموض و الألغاز. العقل اليوناني ارتفع و ارتقى باتجاه السماوي الإلهي ( من الأرض باتجاه السماء)، أما العقيدة اليهودية، المسيحية و الإسلامية تنتمي " لكلام" ينزل من الله ( من السماء إلى الأرض ).

يقول سقراط، بداية الفلسفة هي الحيرة و الدهشة والاستغراب التي تعطي الاهتزاز و الحراك للعقل، أما هي في الإنجيل و التوراة Ecritures saints أساس الإيمان أو الاعتقاد و بالتالي هي ابتعاد عما يدركه العقل أو يمكن أن يدركه إذا هي"فعل ثقة".فالنبي إبراهيم يجسد إنسان الإيمان لأنه يخضع من غير تذمر لأوامر الله، هذا الله الذي لا يفهمه إبراهيم رغم محاولاته.أما التوراة فإنه يعلم و يبشر بمشاعر غريبة بالنسبة لليونان، إنها مشاعر الخضوع: فمن أنت، إنسان، في مواجهة أزلية و أبدية الله !!

 هناك تغير أو انقلاب في الرؤى. حيث سان بول في Epitre aux corinthiens يعارض الحكمة داخل هذا العالم و خاصة التأمل أو التفكير اليوناني، فالحكمة الحقيقية، هي الحكمة الغامضة و الخفية لله. حيث سان بول يرتبط و بشكل مبكر بما هو قلب التعليم المسيحي : العمل الخارق لتجسد المسيح Incarnation،أي حكمة الله تجسدت في شخص المسيح المصلوب. مع ذلك المسيحية قامت و بسرعة باستقبال الفلسفة اليونانية و البحث الفلسفي. فالعصر الوسيط المسيحي عرف بحثا مكثفا للفلسفة و لكن تحت الرقابة، رقابة الكنيسة. والعقل احتفظ بمكانة ثانية أو مساعدة ولكنه مع ذلك بدأ يربح أهميته و استقلاليته.

  في القرن الثامن عشر سان توماس حاول أن يعيد الكثير إلى الإيمان و العقيدة و إلى التعليم من خلال الوحي، وإلى الجزء الشرعي من العقل. لذلك حاول " تصحيح" أرسطو وفق الإيمان المسيحي هذا الإيمان الذي رأته المسيحية الممثل بامتياز للحقيقة. ولكن كيف يمكن شرح هذا التغير أو التطور؟ يمكن أن نعيد هذا لسببين رئيسين يعودان إلى المنطق الداخلي في العقيدة المسيحية ( أو على الأقل للمسيحية التي شُرحت داخل الكنيسة الرومانية ). الأول: يتعلق بالوحي Révélation حيث الوحي لا يلغي العقل أو يقصيه، ثانيا: كما أن ما هو فوق طبيعي لا يلغي الطبيعي وحيث أن خالق ما فوق طبيعي هو من خلق الطبيعي. هناك معرفة عقلانية للأشياء ما فوق طبيعية وللحقائق الروحية الداخلية في الوحي. كل هذا " التقليد" يؤكد إمكانية معرفة أكيدة و طبيعية لله و في نفس الوقت وجود قانون أخلاقي و روحي طبيعي في داخل كل إنسان. إذا يوجد حقائق عقلانية خالصة : و الباب مفتوح أمام الفلسفة. و يوجد أيضا و بالتحديد حقائق منزلة أو موحى بها و التي يسمح للعقل أن يعمقها، لاسيما باستخدام أدوات الفلسفة اليونانية.

هذه الحقوق للعقل تُفهم أو توَّضح من جهة ثانية كما يلي: بالاختلاف عن الديانة اليهودية أو عن الإسلام، المسيحية ليست دين من الأحكام، الشرائع و القوانين. فاليهود و المسلمون هم ملزمون بالخضوع و الالتزام إلى مجموعة من الأحكام المنزلة سماويا أو إلهيا، أو إلى تشريع ديني و الذي له طابع شامل يدير الحياة العامة و الخاصة على حساب المساحة الممنوحة لاستقلالية العقل. " العهد الجديد" Nouveau Testament أو الإنجيل لا يصدر قانونا مدني، ولا قانونا جزائيا، ولا حتى قانونا دستوريا. في النتيجة، المسيحية التاريخية جوبهت بهذه المشكلة الأساسية: الوحي يسجل ثورة روحية ولكن المؤسسة الكنسية كمؤسسة أو جماعة من المؤمنين تعيش في الزمني، المسيحيون ينتمون إلى مجتمعات تاريخية و سياسية. أي موقف إذا يمكن اتخاذه تجاه النظام الزمني، التاريخ لا يتوقف، كيف يمكن الفصل بين النظام الزمني و بين النظام الروحي ؟

 جيَّش العقل اللاهوتي نفسه حتى يفكر بمعنى التاريخ و العلاقات بين الكنيسة و السلطة السياسية، انطلق العقل الفلسفي ليعالج النظام الطبيعي و المستقل عن السياسة. في كل الأحوال، ظهر توتر جوهري داخل المسيحية: بين الروحي و الزمني، بين فكرة العمل من أجل الخلاص وبين فن السياسة.

ومن المعروف أن المسيحية لم توجد أو تؤسس على الأفكار، إنها أُسست على الأحداث. فالمافوق طبيعي surnaturel تم تسجيله في التاريخ، والله ظهر حتى في الحياة الأرضية الدنيوية التي يعيشها الإنسان. هذا التاريخ المقدس سيصل إلى ذروته مع الأحداث التي رافقت حياة السيد المسيح. إذا العقيدة أو الإيمان المسيحي تم تعليقه أو اعتماده كليا على صدق وصحة الأحداث التاريخية. بشكل خاص ما جرى تاريخيا ليلة " القيامة" Pâques " عيد القيامة عند المسيحيين"، هذا الحدث الذي يقود كل ما تبقى من المسيحية:"إذا المسيح لم يبعث أو يحيا، كتب سان بول، إذا فإن تبشيرنا بديننا عبث وبلا جدوى، وعقيدتنا هي عبث أيضا " ( I، Corinthiens،14،15 ).

 لكن حياة المسيح ذاتها ليس إلا بلوغ مغامرة طويلة، هي تخليص الإنسانية و الشعب المختار، مغامرة صيغت بفعل الحب ومن عدم الوفاء الذي وجد و استودع في " العهد القديم" Ancien Testament.و من وجهة نظر المسيحية، إن العهدين القديم و الجديد يعودان لتاريخ واحد متشابه حيث تنتشر عناية و تعاليم الله، الوحي يتقدم، يكتمل ويتحقق مع فعل التجسد Incarnation. ماذا يقول هذا الوحي و الذي تم تجذيره في التاريخ؟ التوراة أو الكتاب المقدس (الكتاب المقدس عند المسيحيين لا يطابق الكتاب المقدس عند اليهود، حيث الكتاب المسيحي يضم زيادة على الآخر سبعة وعشرين جزءا ضمن " العهد الجديد". معنى النص ليس بالتأكيد هو ذاته في كلتا الحالتين، إنه أيضا مختلف بالنسبة للمؤمنين أو الأديان الأخرى أو عند الذين لا يؤمنون لا عن طريق قناعة أو عن طريق دراسة. النقد التاريخي ساهم بتقدم المعرفة ولكنه ترك السؤال مفتوحا : هذه الكتابات هل هي موحى بها أم لا؟ من وجهة نظر مسيحية خالصة، قراءة النصوص مرتبطة بإظهار أن العهد القديم و العهد الجديد يشكلان وحدة عضوية. لهذا السبب، الآباء الكنسيون طبقوا شرحا هو بشكل جوهري رمزيا allégorique، المفسرون في العصر الحديث يصرون على التعليم الإلهي وتقدم الوحي..)، أو كما يسمى " كتاب الكتب" هو الكتاب أو المؤلف المتنازع فيه بامتياز، و الدراسات و الملاحظات التي كرست له تشكل مكتبة ضخمة لوحدها. وفق الكنيسة الكاثوليكية، الأناجيل يجب أن تكون متناولة ضمن نطاق "الرواية" أو الحديث Tradition الذي جاء من الرسل Apôtres. و في الواقع، الكاثوليكية ليس دين في كتاب مقدس Livre ولكنها دين من الكلام المقدس Parole.

صعوبات التفسير والشرح متفق عليها، لكنها أصبحت أقل :" التوراة، يقول الأب Lagrange مؤسس المدرسة التوراتية في القدس،هو بحر من النور و أيضا من الظلام". هذه الكتابات حيث توضح خبرة دينية تنتقل من جيل إلى آخر خلال ألف وخمسمائة عام، هي شهادة وفق الكاثوليكية على أن : الله أرسل للبشر من خلال كلامه و أفعاله، لقد ذهب للقائهم، دعاهم للارتباط به من جديد. إنه عرض تحالفه وجدد عهده، ولكن ماذا يعني هذا العهد؟ لقد أخذ أشكالا متعاقبة فهو يترجم تطورا روحيا و أخلاقيا، أو بمصطلح مسيحي، هو تقدم للوحي. المسيح يقدَّم كرسول لتحالف جديد. في كلام ساطع ولكن أيضا غامض، إنه يعلن" الخبر الجيد الجديد": وصول مملكة الله. طبيعة هذه المملكة هي في المعنى التالي: هي ليست مملكة زمنية، بل يجب أن تكتمل في العالم الآخر. بالمقابل، في هذه اللحظة ووفق شكل قدموها، المسيح يقدم خطابين. من جهة، حكم الله هو مملكة ستأتي و إنها ستأتي قريبا " توبوا لأن مملكة الله هي قريبة" ( إنجيل متى، الرابع، 17) و ستكتمل بالعودة المجيدة للمسيح في نهاية الزمان. ومن جهة أخرى، إنها مملكة موجودة مسبقا داخل هذا العالم " إنها موجودة بينكم أو في داخلكم" ( إنجيل لوقا،17، 21) على شكل بذرة وضعت في قلب الإنسان.

 المسيح لا يتكلم ولا يتصرف كنبي عادي وفق الكاثوليكية. إنه يشيّد بشخصه ملك الله. ووفق الوصف الإنجيلي،المسيح لا يتحدث نهائيا عن نفسه، بل هناك طابع غامض ومستتر للحديث.التفسير الكاثوليكي يراه ظهورا لإرادة تعليمية: المسيح لا يستطيع التحدث بوضوح قبل أن تتم القيامة أو الإعادة.مهما كان، علم اللاهوت الذي جاء به سان بول سيعمل من المسيح نفسه، متحدا مع الله، مخلصا للبشر، إنه مركز الوحي الإنجيلي : المسيح في شخصه هو دعوة إلى الله. في قلب الوحي المسيحي،إذا هناك اقتصاد في الخلاص أو اقتصاد الخلاص،أو يمكن أن نسميه مخطط الله على البشر: الله يدعو جميع البشر إلى الحياة السعيدة،إنها مملكة القدس الإلهية.مرسلا كذلك إلى البشر، الله يكشف عن نفسه ويكشف أعماله.إن شرح جميع هذا الكلام المقدس الموحى تم تثبيته من قبل الكنيسة بعد مناقشات متعددة وتمزقات حوله.هذا التثبيت هو علاقة قطيعة عميقة جدا مع الفكر القديم. الله،العالم،الإنسان، الحياة كلها تتغير في وضعها ومعناها:

الله، العالم، الإنسان، الحياة كلها تتغير في وضعها ومعناها: إله التوراة هو جديد بشكل جذري وفي سموه المطلق.ليس فقط إله واحد،إنه خالق،خارج عن العالم الذي أراده وشكله بنفسه.إنه مطلق أبدي. لا شيء يوجد إلا ويتبع له ويعتمد عليه. هذا الله لا شريك له و لا يشترك بشيء مع آلهة الميثولوجيا القديمة،إنه يختلف عن إله الفلاسفة اليونان الذي هو جزء من الطبيعة أو الكون Cosmos ويُدرَك كأبدي. اليهودية و المسيحية بعد هذا التغير قدمتا العالم و كأنه العمل المجاني لله.الله في الكتاب المقدس التوراتي إنه شيء آخر،إنه فوق البشر و العقل البشري لن نستطيع إدراكه ولا فهمه، إنه إله كله ألغاز وغموض لأنه مختف ولا يمكن الوصول إليه.أما الله في المسيحية هو " رب يحبنا حبا لا ينتهي، أراد الموت من أجلنا "، أي بعكس الديانات الأخرى وخاصة الإسلام حيث نحن الضحية و نموت في سبيل الله. هنا يبقى الله شيئا آخر لكنه يصبح أكثر قربا من كما تقدمه المسيحية.إنه شيء آخر بهذا القرب نفسه حيث تنتشر قداسة لا يمكن إدراكها، فالله في المسيحية لغز من المحبة.

 العالم إذا تغير في حالته.إنه ليس طبيعيا أو سماويا، إنه عمل أو إنجاز لإرادة فوق طبيعية.إنه ليس أبدي،لديه الآن تاريخ.اليونان رأوا في الكون Cosmos نظاما مرتبا،متناغما، حيث الله نفسه هو جزء من هذا التناغم و الإنسان لا يشغل فيه إلا مكانا تابعا. الرؤية المسيحية هي بشكل جذري مختلفة: الترتيب و التناسق الجميل،السمو و الرقي الهندسي لهؤلاء الذين ليسوا إلا أشياء مخلوقة، وسيكون لها بداية ونهاية.العالم هو غير مقدس ويخضع للتاريخ. إذا اليهودية والمسيحية تدخلان مفهوما خطيا للزمن، على النقيض antipode من المفهوم الدائري عند اليونان.فكرة العودة الأبدية هي " لا يمكن احتمالها" في الفكر المسيحي،وفق كلمة سان أوكستان، لأن "المسيح قد مات مرة واحدة من أجل خطايانا، وسيبعث بين الأموات،ولن يموت نهائيا" ( من كتاب La cité de Dieu، XII،17 ). إذا يوجد قبل وبعد، زمن له معنى، ماض ينطلق من الخلق إلى النهاية، ومن النهاية إلى الخلاص، ومستقبل ينطلق من الخلاص Rédemption إلى نهاية الأزمان. وفق المسيحية كل مخلوق بشري هو كائن محبوب من الله، المسيحية تعطي الإنسان شرفا ومجدا جديدا كان مجهول في العالم القديم، إلى التساوي في الخلق بين الجميع، إنها المساواة بين أطفال الله.الحالة المثالية اليونانية للحياة الفلسفية كانت محفوظة للبعض فقط، بينما الخلاص المسيحي هو مفتوح أمام الجميع. هذه النظرة المسيحية الكونية هي علاقة قطيعة مع الماضي. الحياة الدنيوية هي إذا مرتبة ومنظمة إلى نهاية تتجاوزها. الانجذاب المسيحي إلى مملكة الله يتناقض مع الحالة المثالية الوثنية القديمة، كما يتناقض مع الرؤية المثالية للحياة الفلسفية. ونعود هنا لطرح مسألة الزمني والروحي. فالروحي في المسيحية في جزء منه هو مرتبط مع الزمني.

2ـ بين الله والقيصر

في الإنجيل لا يوجد برنامج سياسي كما أنه لا يوجد في الكتب المقدسة الأخرى " القرآن مثلا "، ولا يوجد برنامج للإصلاح الاجتماعي و الاقتصادي. فالمسيح يدعو إلى تغيير القلوب، وليس للقوانين أو المؤسسات. كما أنه "نهائيا" لم يتطرق إلى مسألة النظام أو المشاكل الأخلاقية و السياسية للحروب. الإنجيل يعتني بشكل كبير بإزالة الصورة المتعلقة بالمسيح كما عرفت في السابق. فرغم التطور الروحي الذي تشهد به النصوص التوراتية وكل كلام القديسين، الفكرة القديمة عن مسيح منتصر تبقى الأقوى في داخل المجتمع اليهودي: "المسيح سيأتي ليقوم أو يكمل مهمة سياسية " إقامة المملكة الدنيوية لإسرائيل " إذا وفق ظروف الزمن، سيضع نهاية للاحتلال الروماني. ولكن هذه المهمة ليست نهائيا في شيء مما حاول المسيح إكماله.

 الأناجيل تبين ذلك مع محاولات جاهدة وحذرة لتحاشي عدم الإسراف أو التشتت: المسيح لم يقبل إلا في نهاية حياته أن يحيا " كمسيح ". لقد أفشل المسيح الفخ الذي وضع له من قبل الفريسيين pharisiens،مميزا مجال عمل القيصر عن عمل الله، لقد ردَّ على الاتهامات السياسية معلنا أن مملكته "ليست من هذا العالم".إذا المسيح يبتعد عن السياسة و بشكل عام عن جميع الشؤون الزمنية الخالصة. فإذا تحدث عن الفقر، و إذا حذر الأغنياء، هذا لأن الفقر يذهب إلى الأسوأ في مرحلة " الطفولة الروحية".

 النقد هنا ليس نقدا اجتماعيا، بل يتم النقد لأن العالم أصبح خاضعا لحكم المعلمين المزيفين و الكاذبين و بسبب البؤس الروحي. ولكن هل الإنجيل ضمن هذا المعنى هو مخرَّب أو مدمَّر من الناحية السياسة ؟ 

الدين في الإنجيل، كتب جان جاك روسو: " بعيد عن ربط قلوب المواطنين بالدولة (....)، إنه يفصلهم كبقية الأشياء الموجودة على الأرض. لم أعرف شيئا أكثر منه معارضة للروح الاجتماعية ". ( من كتاب " العقد الاجتماعي"، الفصل الرابع، 8 ). مع ذلك يوجد وجه آخر للتعليم الإنجيلي. المسيح لا يرفض المدينة الدنيوية. بشكل عام، موقفه لم يكن غنوصيا رافضا للعالم: إنه يحاول شفاء المرضى، يتحدث عن جمال الخلق création، إنه يتحدث في كل كلامه عن الحياة و العمل في كل الأيام...،يدعو ويقول إن محبة الله هي محبة لمن حولنا جميعا أيضا. في النهاية إنه لا ينكر السياسة.

 التعليم الأكثر خاصية أو الأكثر مباشرة من الناحية السياسية للإنجيل يعود إلى جملة حيث يعترف فيها بالمجال و الحقل الخاص للقيصر. الأناجيل تروي أن الفريسيين الراغبين بتعريض المسيح للخطر أرسلوا له تلامذتهم ليسألوه إذا كان مسموحا بدفع الضرائب أم لا للإمبراطور. أجاب السيد المسيح إجابة طبعت و بعمق كل التاريخ السياسي للغرب: ففي إنجيل ( متى، الجزء 22، 18 ـ 22 ) تدور القصة التالية: 

" المسيح يعرف أنهم منافقون، فيرد عليهم قائلا: لماذا تضعون لي هذا الفخ ؟ دعوني أرى أموال الضريبة، ثم قدموا له درهما أو فلسا، فقال لهم: " لمن هذا النقد الذي عليه صورة " ؟ فقالوا: " إنه للقيصر". وقتها قال لهم: " إذا أعطوا للقيصر ما هو لقيصر ولله ما هو لله ".

" أعطوا للقيصر..."، بمعنى أولي، هذه الجملة كانت انقلابا أو ثورة. إنها تطرح مبدأ غريبا على العالم اليوناني/الروماني كما أيضا على العالم اليهودي: الدين و السياسة لهما مجالات مختلفة. القاعدة الجديدة تتعارض مع كل النظام السياسي/الديني ومع كل الحكم الثيوقراطي، إنها تكسر الوحدة التقليدية للسلطة. وبمعنى آخر هذه الجملة ليست قطيعة، بل إنها تعترف بالجزء الشرعي للسياسة. هذا الشكل ربما يفتح الباب أمام صعوبات في التفسير و الشرح ولكنه يعني بوضوح أن: المسيح لا يدعو إلى التخلي عن السياسة.وفق التعليم القاسي و المتشدد للإنجيل، يرى سان بول: " بالنسبة لنا، مدينتنا تتواجد داخل السموات، ولكن منتظرين عودة المسيح، على المسيحيين ألا يتواجدوا على هامش المدينة الزمنية".

  إذا يمكن القول أن السياسة تنتمي إلى عالم الإنسان المسيحي، وأن السلطة هي في خدمة خير لا يستطيع أن يكون هنا إلا خيرا طبيعيا. السلطة لها غايات خاصة، إنها تندرج ضمن نظام طبيعي للسياسة المرادة من قبل الله. اللاهوت السياسي الذي جاء به سان بول سيفتح الطريق أمام الفلسفة السياسية. 

وفق رؤية الرسول سان بول، هذه القضايا تبقى رغم كل شيء ثانوية بالنسبة للقضايا الجوهرية: الأمل و الرجاء بما هو فوق طبيعي وعلى الأرض هو تكوين وتطوير تجمع أتباع وتلامذة المسيح كتجمع روحي. ويبقى أن المسيحي في هذا العالم هو جزء يستحوذ في نفس الوقت على المدينة الروحية و على المدينة الزمنية. علم اللاهوت لدى سان بول أظهر تفوقه ونجاحه، ولكن الصعوبات في الشرح و التفسير ازدادت مع متابعة الزمن التاريخي وتغيرات و تحولات السياق و الصيرورة الدينية، أو بمعنى آخر انتصار المسيحية على الوثنية. وهذا ما سيقود إلى طرح أسئلة في غاية الأهمية: كيف نرى هذا الانتماء الثنائي أو هذه المواطنة الثنائية في عالم أصبح رسميا مسيحي ؟ كيف يُنظَّم تاريخ المدينة الزمنية و تاريخها الروحي؟ المدينة الزمنية أو ( مجال عمل القيصر ) لديها استقلاليتها، ولكن تشارك بالنظام الطبيعي الذي أراده الله.فما هو هذا النظام الطبيعي وكيف يمكن ترتيبه وتنظيمه مع النظام ما فوق الطبيعي؟ 

هل الكنيسة مكلفة بمتطلبات الخلاص، وهل تدافع عن النظام الطبيعي، كيف تُنظَّم السلطة الكنسية والسلطة السياسية ؟ هذه الأسئلة تتقاطع، وتاريخية الإجابة التي أعطيت عليها هي معقدة جدا. ولكن هناك عملان مسيطران، واللذان كان في أصل و أساس تقليدين داخل الكنيسة، عمل سان أوغستان و عمل سان توماس.

 فيما يتعلق بالممارسة في الميدان السياسي، هذه الممارسة حصلت على حريات مع مبدأ التمييز بين الأنظمة وهذا ظل حتى ردة الفعل الحديثة.أي منذ صعود Ascension  المسيح و بانتظار عودته .هنا كيف تُرجِم مخطط الله في تاريخ البشر؟ المسيحيون الأوائل، على ما يظهر، كانوا في معظمهم مقتنعين يوشك نهاية الزمن. مع ذلك كان هناك أمل عند سان بول، لكنه أمل حذر: لا أحد يعرف تاريخ العودة لا في اليوم ولا في الساعة. لذلك دعا إلى حياة منظمة وبعيدة عن الفوضى، كل فرد فيها يملأ واجباته الاجتماعية. منتظرين عودة المسيح Parousie، التاريخ سيستمر. هذه المتابعة للتاريخ الإنساني تستدعي تفسيرا أو شرحا لاهوتيا. فالتاريخ المقدس هو في حركة سير دائم، ولكن بأي شكل؟ 

إذا تم تبسيط المسألة، نستطيع أن نميز أو نحدد إجابتين: من جانب، نموذج من التفسير جاء قبل سان أوغستان،يطور هذا التفسير لاهوتا زمنيا للتاريخ. العناية الإلهية تصبح واضحة ومفهومة عبر التاريخ المرئي للبشر، إنها تتجسد أو يجب أن تتجسد في تلك المدينة الدنيوية. ومن جانب آخر،التفسير الذي له تأثير وسلطة داخل الكنيسة الكاثوليكية و الذي أعطي من قبل سان أوغستان في القرن الخامس. حيث التاريخ المقدس هو ذاك المصير أو القدر الروحي للإنسانية، إنه غير مرئي. في النتيجة، الكنيسة ليست مرتبطة بأي شكل تاريخي.

  إن علم اللاهوت الزمني للتاريخ أخذ أشكالا متعددة. شكله الأساسي يرتكز على رؤيا القديس يوحنا Apocalypse de Saint Jean، وهي " الألفية" Millénarisme ( وهي نظرية عند بعض المسيحيين تقول بأن المسيح سيملك الأرض لفترة زمنية قدرها ألف سنة قبل يوم قيامة الأموات ). نص يوحنا في العهد الجديد هو وصف متوقد، متوهج و مليء برموز نهاية الأزمان وهو يدور حول النظرية الألفية. هذه النظرية رفضت من قبل كبار اللاهوتيين المسيحيين، بشكل خاص سان أوغستان و الذي يقول:" إن وصف سان جان أو " يوحنا " يجب أن يقرأ كمجاز أو استعارة روحية، انتظار " الألفية" هو من غير هدف لأن ولادة المسيح هي التي لها علامة البداية".

 تفسير آخر يظهر أنه أكثر " اعتدالا" فيما يتعلق بعلم اللاهوت الزمني للتاريخ وقد تم تطعيمه بتاريخ المسيحية نفسها. ماذا تقول حقيقة هذا التاريخ المرئي؟ إنها تروي نجاحات التنصيرchristianisation. فالإمبراطورية الرومانية كانت خاضعة للدين الذي اضطهدته. هذا التاريخ ظهر كتيار في الفكر المسيحي، كظهور لإرادة الله. التقليد الشرقي رأى فيما حصل بهذه الإمبراطورية وكأنه عناية إلهية. المسيحية ارتبطت بشكل سياسي ( تحالف دائم في الشرق والذي سيحدث التحالف بين القيصر و أتباع البابوية papisme في الإمبراطورية البيزنطية).

  سان أوغستان ( 354 ـ 430)  رفض كل هذه التفسيرات لأنها من غير أساس حقيقي في الكتاب المقدس وتخالف تعليماته. إنه يتعارض مع نظرية " الألفية "، ثم يفصل قدر الإمبراطورية عن قدر ومصير الكنيسة، إنه يرفض الفكرة القائلة بأن الشرور ستختفي مع الزمن. باختصار، المسيحية الأوغستينية تتمرد على كل طوباوية،فالكمال ليس من هذا العالم. " مدينة الله " ( 427 ـ 415 ) واحد من أهم المؤلفات التي سيطرت على الفكر في الغرب المسيحي.المؤلَّف أخذ اتساعا كبيرا، عظيم في بلاغته وبيانه، لا يشكل وحدة منظمة كليا. من جانب هو كتاب لظروف وحالات، ومن جانب آخر هو توسط أو وساطة حول قدر الإنسانية على ضوء الوحي. أما الظروف و الحالات فهي: في عام 410،القوطيون Wisigoth استولوا على " المدينة الخالدة الأبدية" ونهبوها. النتائج كانت كبيرة: إنها نهاية عالم كان يبدو غير قابل للتدمير.

 فالمؤمنون بالدين الروماني القديم يتهمون المسيحيين بكونهم مسؤولين عن هذه الكارثة التي حصلت في الإمبراطورية. سان أوغستان يمسك بريشته للرد عليهم: إنه يشير إلى ضعف روما الوثنية،ثم يتحدث عن قيم الفضائل المدنية المسيحية. في الجانب الآخر من هذا الحديث و الاختلاف، إنه يفصل قدر الإمبراطورية التي هي في خطر عن قدر الكنيسة.

بلا شك لقد كان هو أيضا مواطنا وفيا لإمبراطوريته، ولكن كمسيحي أراد أن يقول: الدين الحقيقي لا يخضع أو لا يتضامن مع السياسة بأي شكل أو أي وقت. التعمق في تأمله وتفكيره سيقود إلى علم لاهوت عام للتاريخ. علم اللاهوت الأوغستيني " للمدينتين "، الدنيوية و الإلهية، يبين العديد من الصعوبات في التفسير ويمكن أن يفهم خطأ. سان أوغستان يستخدم تارة صيغا دقيقة، وتارة أخرى صيغا ليست كذلك، ثم يأخذ أو يعتمد كلمة "المدينة " في معان متعددة و مختلفة. بشكل جوهري كما يظهر، إنه كمن يستخدم لوحتي مفاتيح. اللوحة الرئيسة هي القدر الروحي للإنسانية:" هناك نوعين من الحب، يكتب الأسقف Hippone في فقرة مشهورة جدا، الحبان يبنيان مدينتين. حب الذات حتى أو لدرجة ازدراء الله في المدينة الدنيوية. وحب الله لدرجة ازدراء الذات في المدنية السماوية". الحد الذي يفصل بين المدينتين هو حد غير مرئي، هو من نظام و ترتيب الوحي. المدينة الدنيوية أو الأرضية لا تختلط مع الحقيقة الزمنية للمدينة الإنسانية، إنها الجزء الفاسد من الإنسانية. " مدينة الله " ليست الكنيسة المرئية، إنها تضم هؤلاء الذين اختاروا الجزء الأفضل، هؤلاء الذين، هم داخل الكنيسة ولكن أيضا من هم خارج الكنيسة يكرَّسون للحقيقة و الفضيلة. هاتان المدينتان مختلطتان بشكل كبير في هذه الحياة، كما هو حال البذرة الجيدة و الأخرى الفاسدة كما تقول الحكمة أنه لا يمكن الفصل بينهما إلا في وقت الحصاد.
أما اللوحة الثانية هي العلاقة بين المدينة الإنسانية و الكنيسة. هنا المدينة الدنيوية الأرضية تختلط مع المجتمع السياسي و المدينة الإلهية ( بشكل أكثر أو أقل ) أيضا مع الكنيسة، أي بمعنى آخر مع مجتمع المسيحيين. بهذه المعاني، المسيحي هو عضو في المدينتين. إذا كيف يمكن تنظيم ثنائية المواطنة هذه ؟
إن موقع مبدأ أوغستان واضح جدا: إنه يميز وبقوة النظام الروحي و النظام الزمني، بين مجال السلطة الكهنوتية الكنسية ومجال السلطة السياسية. لكنه يعالج هذه القضايا بشكل عام ولم يعط أية نظرية دقيقة للعلاقات بين الكنيسة والدولة. بالتأكيد هو يتمنى أن المدينة السياسية تلقَّح بالمسيحية لكنه لا يرى أية ضمانة أن هذا الحل سيطبق أو سيستمر. في النهاية سان أوغستان لا يهتم إلا بشكل بسيط بالسياسة.
يتبع في الأجزاء القادمة.  

 3 ـ الطبيعة و الإنسان.

في عام 430، عندما مات سان أوغستان، عالم بأكمله كان في حالة تغير، إنه عالم الإمبراطورية الرومانية ومعها عصر الهرطقة الذي لم يكن قد انتهى أيضا. ثمانية قرون فيما بعد، عندما أخذ سان توماس الأكويني ( 1225 ـ 1274 ) ريشته للكتابة ، كانت المسيحية في القرون الوسطى قد وصلت الذروة. بالإضافة لذلك ومن الجانب الآخر للأحداث: النجاح التاريخي للمسيحية الرومانية تم تأكيده وتقويته في الغرب. رغم ذلك، القرن السابع عشر كان مسرحا لأزمة فكرية لم يسبق لها مثيل. حتى هذه اللحظة، الفلسفة كانت قد أصبحت مدجنة في بعضها : فبعد " آباء الكنيسة "، أفلاطون ومن أتى بعده اعتُبروا روادا أو سباقين وعليهم العقيدة اعتمدت ولهم افتقدت. مصير وقدر الفلسفة كان التنازل عن استقلالها " داخل معرفة وحيدة مطلقة منظمة و مرتبة بواسطة الوحي Révélation. ترجمة أرسطو و شارحيه و مفسريه العرب في القرن الثاني عشر زعزعت هذا اليقين أو هذا الوهم. هنا انبثقت و انتشرت كرائحة البارود فلسفة جديدة وثنية، هددت بالاستيلاء على العقل و على الفكر المسيحي. حيث يظهر أن العقل تم توجيهه في مقابل أو مواجهة العقيدة.

هل كان من الواجب تقليص العقل في مواجهة أسلحة العقيدة؟ جرأة سان توماس الأكويني قامت باختيار فعل معاكس ومعارض : في خدمة العقيدة، و بالاعتماد أيضا على العقل. الأكويني يميز ما بين الأنظمة. إنه في البداية عالم باللاهوت لكنه يدرك أيضا الفلسفة. القاعدة هي سهلة و أساسية: يجب متابعة العقل و السير وراءه إلى أكبر بعد ممكن. توماس الأكويني سيعيد التفكير بالقضايا اللاهوتية مستعينا بالعقل الفلسفي وبشكل خاص بالأدوات التي حصل عليها من أرسطو. نظرتان أو اتجاهان هما مرتبطان: هذا يعني، مع احترام الاستقلالية، أن يكون هناك عمل على الاثنين، العقل والعقيدة. 

الأكويني يتقدم خطوة مريحة : بين عقل يأتي من الله ووحي يأتي أيضا من الله، التوافق لا بد أن يتم بالضرورة. لم يتردد بتعنيف الوعي الديني في زمنه لأجل طيّه أو إخضاعه لمتطلبات الفكر الفلسفي.

 الأكوينية، في داخل الفكر الكاثوليكي، هي المحاولة التحديثية الوحيدة التي لم تنجح أبداً كما يقول Etienne Gilson. حجر الزاوية في مشروع الأكويني هي الحكمة التي يعيدها إلى ( somme théologique): "النعمة أو الفضل لا يدمران الطبيعية و لكن يجعلانها أكثر كمالاً، أو يحملانها إلى الكمال". النعمة، العفو، الفضل لا تتعارض مع الطبيعة لأنه، إذا " العالم" هو سيئ، فالخلق هو جيد. الحقيقة التي أوجدت بواسطة الله لها استقلاليتها وحقيقتها، ولها أيضا قيمها الخاصة. طبيعة الإنسان، سيطرته على أفعاله، كل هذا يجعل منه شريكا بجزء من الله. التقليل أو التصغير بالمخلوق هو ازدراء للخالق، أو أن الخالق هو مخطئ. كما نرى علم اللاهوت الأكويني حول الخلق يؤسس منذ ذلك التاريخ الطويل " إنسانية مسيحية" أو نظرية مسيحية في حقوق الإنسان.

 ماذا تقول الطبيعة بالنسبة للأكويني؟ من أجل معرفة ذلك، إنه يعود لمدرسة أرسطو و التي هي الممثل بامتياز للعقل الطبيعي. الأرسطية Aristotélisme ظهرت كتهديد، و الأكويني أسكنها ووضعها في داخل الفكر المسيحي. ربما سيكون من الزيادة هنا أن نقول : إن الأكويني قام بتنصير " أو أدخل إلى المسحية" أرسطو. دون شك توماس الأكويني أخذ الكثير من أرسطو و الذي يدعوه " الفيلسوف"، ولكن أيضا قام بتصحيحه أو عدَّل بعض الأشياء من أجل أن يدخله في تركيب synthèse مذهبي doctrinal ( ليس بمعنى طائفي ). الأكويني يتفق مع أرسطو من أجل اعتبار كل من ينقطع عن المدينة هو خارج الإنسانية المشتركة. لكن احترامه الكبير لأرسطو لم يمنعه من كتابة : " لا يوجد أي فيلسوف قبل مجيء المسيح، ورغم كل جهوده، استطاع أن يعرف الكثير عن الله".

إن الفكر السياسي عند توماس الأكويني هو جزء صغير من عمله الضخم. ونستطيع أن نصنفه كفكر كلاسيكي/ مسيحي لأنه هنا كما في مكان آخر، " القديس توماس " ينظر إلى تنظيم و في تركيب واحد: الطبيعي و ما فوق الطبيعي. من جهة إنه يستند بشكل واسع على التقليد الكلاسيكي وبشكل خاص على أرسطو: السياسة فن، ينضم في نظام طبيعي. ومن جهة أخرى إنه ينفصل عنها لأسباب تتعلق بالعقيدة: السياسة تتركز بشكل نهائي في نظام ما فوق طبيعي.

فيما يتعلق بالقانون الطبيعي، سان توماس الأكويني يأخذ كلمة طبيعة بنفس المعنى الأرسطي، طبيعة كائن هي نهايته. طبيعة الإنسان هي قدره. القانون الطبيعي هو ما يميل الإنسان له وفق طبيعته وما هو معروف لديه بشكل طبيعي وهذا موجود و مسجل في العقل الإنساني. هذه النظرة هي ضمن خط الفلسفة الكلاسيكية، ويمكن وضعها ضمن التقليد المسيحي. القانون الطبيعي يقول سان أوغستان بعد سان بول:" هو قانون متموضع داخل قلب الإنسان، ولا شيء يستطيع مسحه". الأكويني يقدم روايته و رؤيته الأكثر اكتمالا داخل مذهب القانون الطبيعي. القانون الطبيعي يشارك القانون الأبدي ولكن ضمن ما تستطيعه أو تقدر عليه الطبيعية الإنسانية. من أجل أن يكون الإنسان متجه نحو نهايته ما فوق طبيعية، من الواجب إعطائه قانونا آخرا و الذي يشارك وفقه بطريقة سامية في القانون الأبدي : إنه قانون الوحي، بمعنى آخر، وفق شكله الأكمل و المنجز، إنه القانون الإنجيلي. ما هو هذا القانون الطبيعي؟

 سان توماس الأكويني يميز بين المبادئ المشتركة أو الأولى، الثابتة التي لا تتغير، الشاملة و التي يعرفها الجميع، و المبادئ الخاصة أو الثانية و التي هي معرضة للمتغيرات و التحولات المرتبطة بالظروف وهي غير معروفة لدي الجميع. المبادئ الأولى للقانون الطبيعي لا يمكن برهنتها،إظهارها أو إثباتها فهي حقائق بحد ذاتها. هذه التعاليم أو المبادئ هي للعقل العملي ( المتعلق بالفعل الإنساني )، هي المبادئ الأولى الجلية و المفهومة ( مثال : الكل أكبر من الجزء ) وهذا للعقل العلمي. في أساس السلوك الأخلاقي كما في المعرفة، هناك حقائق عقلية. ولكن ما هي هذه الحقائق؟

الحقيقة الأولى، عليها تؤسس كل المبادئ و القواعد الأخرى للقانون الطبيعي وهي : يجب البحث وعمل الخير وتجنب الشر. الخير الذي نتحدث عنه وهو الذي يحمل إليه الإنسان بشكل طبيعي. الأكويني يميز ثلاثة نماذج من الرغبة أو الميل الطبيعي. أولا، الإنسان هو كائن، وبما أنه كذلك، فهو يهدف إلى الحفاظ على نفسه.ثانيا، الإنسان هو حيوان، وبما أنه كذلك، فهو يميل للاتحاد مع الذكور و الإناث ويعتني بالصغار الخ... ثالثا، الإنسان هو حيوان عاقل، وبالتالي هو مدفوع للبحث عن الحقيقة و العيش في مجتمع ثم تجنب السرقة والقتل و احترام والديه الخ... كل هذه المبادئ العامة تضاف على مفاهيم أخرى " ثانية" وهي نتائج قريبة.

المبادئ الثانية تحاول أن تكون قوانين طبيعية و لكن ليس لديها الحقيقة الفورية كما هو في المبادئ المشتركة وتطبيقها يمكن أن يتغير كما تتطلب الأوضاع و الحالات. توماس الأكويني يؤكد دائما : أن المبادئ الأولى هي حاضرة في قلب الإنسان دائما، بينما المبادئ الثانية يمكن أن تمحى من القلب الإنساني بسبب العادات أو الدعاية أو الفساد. ينتج من تحليل القانون الطبيعي أن هذا القانون لا يقدم سوى معايير عامة للسلوك الإنساني، إنه القاعدة الأولى العقلانية للبشر، لكنه ليس نهائيا قاعدة كافية. لا بد إذا من أن يتناسق أو يتشكل مع قانون آخر، إنه القانون الإنساني.

 في السياسة، حدد توماس الأكويني سؤالا هاما: ماذا يمكننا أن نطرح حول النظام الذي ترتبط أو تدمج به السياسة؟ فيما يتعلق بالنظام الطبيعي، توماس الأكويني يطور بشكل جوهري بعض المواضيع الأرسطية: أولا، البعد المشترك ما بين الجماعات في الحياة الإنسانية. الإنسان هو اجتماعي بالطبيعة، شخصيته يتوجب عليها الكثير للذين بمصطلح حديث سندعوهم " مجتمعه التشاركي"، فهذه الشخصية لا تكتمل إلا داخل مجتمعها، إلا في حالات خاصة. يقول الأكويني : " من بين كل الأشياء المطلوب من الإنسان عملها، وهو الأكثر ضرورة، هم الآخرون المشتركون معه في الإنسانية". ثانيا، الطابع النوعي للتجمع أو المجتمع السياسي. المجتمع الأول الذي ينتمي إليه الإنسان هو العائلة، إنها ضرورية له بالمطلق، لكنها لا تكفي بحد ذاتها. المجتمع السياسي هو العمل أو الصنعة الأكثر تمامية للعقل العملي الإجرائي.

ثالثا،الطابع أو الصفة الطبيعية للسلطة السياسية و المكان المركزي لمسألة النظام السياسي. المدينة هي مركبة من أجزاء متغايرة. سلطة واحدة هي ضرورية لترعى خير الجميع و تحافظ على وحدتهم. كما المدينة، السلطة السياسية هي في طبيعة الأشياء. الشكل الذي هي ممارسة ومنظمة من خلاله هو الموضوع المركزي للفلسفة السياسية. رابعا، تعرف غايات ونهايات السياسة من خلال وصولها إلى الخير المشترك. المدينة هي أكبر من حاصل مجموع أجزائها، خير المدينة هو شيء آخر يختلف عن مجموع الأشياء الخاصة، إنه خير مشترك.

نظرية الخير المشترك هنا، هي المشاركة الرئيسة الشخصية لتوماس الأكويني. الموضوع مع ذلك هو شائك وصعب لأن التناغم بين هذه الأشكال و الصيغ المبعثرة ليس منطلقا من الذات. الجوهري، يظهر أنه يحمل إلى ما يلي: الخير المشترك هو خير الجميع ولكنه غير منفصل عن خير الأشخاص. الخير المشترك هو أرقى و أسمى من الخاص و الشخصي كما هو الحال في أن الكل هو أسمى من الجزء. لكن هذا الكل ليس كيانا مميزا، يفضَّل على المواطنين، الخير المشترك ليس خير منفصل يبعد و ينحي المواطنين. الخير المشترك أو المنفعة المشتركة ليس خير أو منفعة لأنه في خدمة مجموعة من الأشخاص : فكل واحد يحصل على حياة بالاشتراك مع الآخرين، حياة منظمة مرتبة، كل واحد يحصل على المشاركة في عمل ومهمة مشتركة. رؤية الأكويني حول الخير المشترك يمكن أن تعرَّف، كما يظهر، بالشكل التالي: شكل أو طريقة في الوجود بالاشتراك بشرف في الحياة الجديدة، أي بالحياة الكريمة الشريفة وذات الفضيلة للجمهور أو الجميع. ومن أجل إقامة هذه الحياة الجديدة، سان توماس الأكويني يحدد في De Regno ثلاثة شروط ضرورية أو واجبة: على الجمهور"أن يكون ضمن وحدة المدينة من أجل السلام"، " أن يدار و يحكم و يوجه نحو السلوك الجيد"، و أخيرا، ومن " خلال التطبيق الحكومي، يجب أن يكون هناك كميات كافية من الثروات من أجل حمل الجمهور إلى الحياة الكريمة". إن المنفعة المشتركة الزمنية هي غاية السياسة ضمن النظام الطبيعي. هذه الغاية هي ذاتها منظمة ومرتبة إلى نهاية أخيرة حيث على الكنيسة القيام بذلك. لكن هذا يجب ألا ينقص من استقلالية السياسة، " الحق السماوي الإلهي الناتج عن الرعاية والعناية لا يدمر أو يهدم الحق الإنساني الناتج بدوره عن العقل الطبيعي". إذا ما فوق الطبيعي لا يدمر الطبيعي بل يرعاه، و الرعاية السماوية لا تدمر الطبيعية بل هي إكمال وتتمة لها، والله لا يدمر الإنسان لأن الإنسان جزء من الله

 4ـ القوانين بين السماء والأرض.

إن التنظيم الواقع والمجسد للمجتمع يبين ويوضح القانون الإنساني. هذا القانون يجب أن يستند دائما ويشتق من القانون الطبيعي. هذه القاعدة لا يمكن المساس بها، و لكن لا تطبق بأي مكان بشكل ميكانيكي، بل يجب أن تضم خاصتين: الأولى هي أن القانون الإنساني له صفات و طبائع خاصة، هو قانون وضعي عندما القانون الطبيعي يكون قانونا أخلاقيا. إنه يميَّز لأنه لا يتعلق إلا بالنظام الخارجي وهو يتلاءم مع الإجبار أو الإرغام. القانون الوضعي لا يتم خلطه مع القاعدة الأخلاقية. الخاصة الثانية : الفعل السياسي هو بطبيعته خاص و جائز أو محتمل. العقل الإجرائي أو العملي عليه أن يحصل على النتائج من المبادئ العامة داخل الظروف و الشروط النوعية في حالة واقعة مجسدة. القسر أو الإرغام الحاصل من أجل الوصول للخير و المنفعة يمكن أن يحدث شرا أكثر من الخير. هنا سان أوكستان لاحظ أن القانون الزمني عليه التسامح مع بعض الشر. ويؤكد سان توماس ذلك بالقول :"إن على السياسة أن تلتزم بمبدئها محدثة أقل شر ممكن".

 إن طروحات سان توماس حول هذا الموضوع أشعلت جدلا ونقاشا كبيرا. الصعوبة الأساسية تأتي من أن سان توماس يحدد شيئين أساسيين مهمين : الأول، أن البشر يجب أن يحكموا،ولكن أن يحكموا ضمن نطاق وحدود المنفعة المشتركة،هذا يعني من جهة أخرى أن يحكموا من قبل أناس خيّرين. هنا سان توماس يتبع أرسطو ولكن تفكيره أكثر تشددا و انغلاقا. أما في كتابه De Regno،إنه يأخذ ويضم التقسيم الأرسطي للأنظمة الستة، ولكن يعود وبسرعة ليشدد التحليل حول هذا الموقف: الملكية من جهة، الأشكال المختلفة من الطغيان من جهة أخرى.

مصطلح " الملك" يجب أن يفهم ويدرك بمعنى يتعلق بجنس الكلمة ونوعها وشموليتها: إنه يشير إلى شخصية واحدة في مجموعة وربما يكون أميرا، إمبراطورا أو رئيسا شريطة أن يحكم للخير و المنفعة المشتركة.إذا فقدت هذه الشخصية غاية السياسة التي هي الخير المشترك و التي هي تشترط شرعيته وشرعية سلطته، فهي ليست شخصية زعيم أو قائد، إنها تصبح شخصية طاغية. الطغيان يمكن أن يمارس من قبل مجموعة صغيرة أو من قبل الشعب نفسه وخاصة عندما المجموع يحكم ويضطهد أقلية صغيرة. سان توماس ينظم في نفس الفئة كل الأنظمة الفاسدة. في الخلاصة، يوجد بشكل أساسي نموذجين من الأنظمة: الأنظمة المنتظمة و الحسنة، والأنظمة الغير منتظمة و السيئة. والقاعدة يتم الحصول عليها من القانون الطبيعي. الشيء الثاني الذي يحدده سان توماس، الذي يجب أو ينبغي كما جاء في كتابه ( somme théologique ) ، أن الجميع لديهم جزء في الحكم أو الحكومة. إنه يلتزم بمبادئه العامة. يدعو إلى تفادي كل الطغيان والأنظمة الطاغية و بكل أشكالها، وعلى الفعل السياسي أن يُمارَس بالشراكة. في النهاية السياسة وفق سان توماس هي : " فن أفضل الممكن".

المسيحية أعطت وجودا لمجتمع له قدر ومصير شامل: إنه الكنيسة. الكنيسة هي مجتمع من المؤمنين مفتوح ومن غير تمييز لجميع البشر. إنها مؤسسة،أنشئت مع تكليف الرسل والمبشرين،وقد بنيت و أصبحت مركزية بشكل متدرج. المجتمع الكهنوتي أصبح مجتمع حقوق، من خصائصه وجود مؤسسة تراتبية، إنها المؤسسة الكهنوتية. إذا كيف تم تنظيم العلاقات بين الكنيسة ( كمجتمع وكمؤسسة ) و بين السلطة السياسية ؟

خلال القرون الثلاثة الأولى، المسيحيون احتفظوا بموقف يطابق المذهب أو الطريقة المثبتة من قبل سان بول:احترام مطلق الإمبراطورية،مقاومة الأنظمة التي تحمل ضررا للمعتقد بالله الحقيقي.لكن الدين المسيحي الذي هو أقلية و مضطهَدة أصبح في القرن الرابع الدين الرسمي للإمبراطورية الرومانية،ثم فيما بعد الدين المجمع عليه تقريبا في الغرب أثناء العصور الوسطى. القضية و السؤال العملي للعلاقات بين السلطة الزمنية و السلطة الروحية تطرح بطرق مختلفة: لا يعني نهائيا الحفاظ على استقلال الروحي في مواجهة متطلبات السلطة الزمنية ولكن مصالحة أولوية الروحي و أسبقيته مع استقلالية الزمني.

  بشكل آخر،لا يعني نهائيا معارضة بين حقوق الله و مع القيصر الوثني، ولكن تعريف الحقوق والواجبات للقياصرة المسيحيين وعلاقتهم مع الكنيسة.إذا هو افتتاح لتاريخ طويل للعديد من الإثارات لها أوجه متعددة. ثلاث أفكار عامة يمكن فصلها هنا : استمرار وديمومة ثنائية السلطة، الغموض في الأنظمة تحت شكل النزعات في الأهلية و الاختصاص،الغموض في الأنظمة تحت شكل تقليدية الدولة وصرامتها.

مبدأ ثنائية السلطة لم يكن موضعا للنقاش.المجتمع المسيحي تمت إدارته وحكمه بنوعين من سلطات القضاء المنفصلة، وفق شرعيتين متمايزتين للقوانين. إذا وجد بشكل دائم سلطتان قضائيتان مختلفتان في طبيعتهما. حاول الباباوات دائما إخضاع السلطة السياسية لكنهم لم يستطيعوا ذلك نهائيا.المؤسسة السياسية و المؤسسة الكهنوتية تبقيان غير مرتبطتين. هذا الانفكاك أدى إلى خصوصية الغرب القروسطي، إذا ما قورن بالمناطق الأخرى في العالم، العالم الإسلامي و الإمبراطورية البيزنطية.

 من جانب آخر،العلاقات بين السلطتين طُبعَت على مر تاريخ العصر الوسيط بالنزعات و الخصومات حول الاختصاص و الأهلية. وهمُ عالم مسيحي قائم بشكل دائم،فكرة المسيحية حيث الاختلاط بين السياسي و الديني، المقارنة عند سان أوغستان بين المسيحية و " مدينة الله"، كل هذا سيعبر الحدود. المسيحية القروسطية كانت نظاما سياسيا/دينيا له رأسين،فيما بعد سيستمر بمنافسة طويلة ونزاع أطول بين الكهنوت Sacerdoce و بين الإمبراطورية.

في وقت من الأوقات، " شارلمان " حاول توحيد المسيحية الغربية تحت سلطته الخاصة والتي في نفس الوقت هي زمنية وروحية ( حيث اعتبر نفسه زعيما دينيا محاولا أخذ جزء من السلطة الداخلية للكنيسة ). فيما بعد في القرن السادس حتى السابع عشر،حاول الباباوات بجهد كبير إقامة تفوقهم السلطوي. روما مَنحت حق تجاوز وعزل الأباطرة، وذلك للسلطتين الروحية ممثلة بالكنيسة والزمنية ممثلة بالسلطة السياسية ولكن تحت وصاية الكنيسة. هذا التنافس بين السلطتين سيدور في النهاية وبشكل إجباري باتجاه تقوية سلطة الملوك.في نهاية العصر الوسيط، الملكية الوطنية تم فرضها كشكل سياسي. الغموض في الديني والسياسي لم يتوقف : الدين بقي صاحب سلطة ونفوذ في القرن السابع و الثامن عشر،و منظرو الملكية المطلقة سيستندون في تنظيرهم إلى نظرية الحق الإلهي. بعد الإمبراطورية القسطنطينية،وبعد الإمبراطورية القروسطية، الملكية الوطنية ( على الطريقة الفرنسية ) ادعت الاختيار و العناية الإلهية.
في العصر الوسيط وبعد ذلك، النزاعات استمرت في بعض الأحيان كنزاعات عائلية.مجتمع المؤمنون اختلط بالمجتمع السياسي مع قوة وصرامة الدولة.فالكنيسة تُعَلّم كما كانت تفعل دائما، مع حرية اختيار العقيدة ولكنها عمليا أو إجرائيا على أرض الواقع لم تتناغم مع ما تزعم به. فكرة " الجمهورية" المسيحية وبعدها الأمة المسيحية بررت تجييش وتحريك السلطة السياسية في خدمة وحدة العقيدة. " اليد الزمنية العلمانية " ضربت الانشقاقات أو الانفصال عن الكنيسة الرومانية و الهرطقيات. فقوة القيصر كانت مستخدمة في خدمة شؤون الله. فكرة " الدين يجب أن يكون حرا" هي " خطأ إلحادي أو من الزندقة" كما جاء في كتاب
Bossuet (السياسة مستمدة من الكتب المقدسة، الجزء السابع 1709 ).

 الصيغة ( لاهوتي / سياسي ) كانت سلطوية. وتمت ترجمتها على شكل اضطهاد ديني، وتسببت بعد محاولات" الإصلاح" بحروب أهلية خطيرة. هذه الحروب الدينية و الاضطهاد الذي تلاها ساهمت بشكل كبير في تطور الفكر السياسي الحديث. ردة الفعل كانت بعد هذه الحروب كالتالي : الدين يقسم ويفرق، السلطة السياسية تضطهد الدين، في النتيجة الدين يجب أن يبعد عن السياسة. الكنيسة الكاثوليكية، و التي اعتقدت أنها نجحت بأن أصبحت كنيسة الدولة، وُجدت من الآن فصاعدا في موقع دفاعي.
المحدّثون
Modernes التزموا الصراع ضد السلطة السياسية للكنيسة الكاثوليكية وقد وصلت النتيجة إلى النجاح. الكاثوليكية فقدت في بلاد " الكنيسة اللاتينية" موقعها كدين للدولة، الكنيسة الرومانية أجبرت على ترك موقعها الزمني، المبدأ الحديث للتحييد الديني للدولة أصبح القاعدة العامة،المجتمعات تعلمنت أو تحول  المجال الكنسي إلى دنيوي Sécularisation . متضررة داخل مواقعها الزمنية،وفي إمبراطوريتها الروحية، ضحية أيضا في بعض الأحيان للسياسة المعادية للدين ( اضطهاد الثورة الفرنسية لها )، أو كما في ألمانيا كما تسمى Kulturkampf ، السياسة " المعادية للكهنوتية" في الجمهورية الثالثة الفرنسية، الكنيسة تمسكت على طول القرن التاسع عشر وبعد ذلك أيضا بالارتباط بالنموذج الماضي: المسيحية أو المدينة الكاثوليكية بمعنى آخر النظام السياسي / ديني.

الأشياء بدأت بالتبدل مع بابا الفاتيكان Pie الثاني عشر( انتخب في عام 1939). يوحنا الثالث و العشرون تابع التغيير، وتم تكريس التطور من قبل مجلس الفاتيكان الثاني ( 1962 ـ 1965 ). مقياس التغيير كان في غاية الحساسية ومتنازع فيه. النصوص الرومانية هي في الكثير من الأحيان صعبة في الشرح و التفسير وذلك بسبب عمومية العديد من الصيغ و الأشكال،وبسبب أيضا الممارسة التقليدية للتيار " التوفيقي" Concordisme بين الكتب المقدسة و نتائج التقدم العلمي ( كما يحصل في الإسلام اليوم ). مع ذلك، يظهر أنه و بشكل أكيد أن النصوص التصالحية تطبع وتؤشر إلى تبدل و تغير مهم في المذهب. أي تبدل و أي تغير؟

الكنيسة أُبعدت عند النموذج السياسي القروسطي. المثالي السياسوـ ديني للمسيحية، مقارنة ومشابهة المجتمع السياسي بالمجتمع الديني، نظرية السلطتان، مع صرامة الدولة و الدعوة إلى الزمني تم التغيير، الدنيوي و العلماني يبدو أنها مصطلحات قابلة للحياة ، فعاشت و استمرت. التجديد الأساسي بالنسبة للتعليم التقليدي يتعلق بالحرية الدينية و الذي يكرس كرامة البشر وحريتهم : لا أحد لأسباب دينية يجبر على التصرف ضد عقيدته أو يمنع من ممارستها.الكنيسة من الآن فصاعدا هي جزء من هذه الثقافة الحديثة والتي هي الجوهر الأكثر قوة ووضوحا لكرامة الشخصية الإنسانية. إذا الكنيسة تم فصلها عن نموذج أخذته وورثته عبر التاريخ. أما بالنسبة للمبادئ الأساسية تبقى وفية لتعليمها التقليدي. ولكن ماذا يقول هذا التعليم في النهاية ؟

 5 ـ بين مملكتين.

لقد قدم علم السياسة تفسيرات متعددة لفهم السياسة منذ العصور القديمة وحتى الآن،أو ما يمكن أن نسميه نماذج التفسير و الفهم للسياسة.هذه النماذج تقسم منهجيا إلى ثلاثة: تفسير القدماء ( خاصة الفلاسفة اليونان)، ثم التفسير والفهم (المسيحي) و أخيرا التفسير الحديث. ربما يكون هذا المنهج في التقسيم عرضة للنقد وهذا حق الجميع دون أدنى شك، ولكن عدم التطرق للتفسير من قبل ( الكنيسة الشرقية) أو رأي الأديان الأخرى في منطقتنا أو بمعنى أخر استبعادها عن منهج فهم السياسة، هذا يعود إلى رؤية أولية نستطيع القول من خلالها أن هؤلاء لم يدخلوا سوق إنتاج المفاهيم السياسية بصفتهم منتجين،و إنما لهذه الدقيقة هم من المستهلكين لهذه المفاهيم،الشروح و التفسيرات. أو بمعنى آخر أيضا، الإسلام كان هو الحل منذ ألف سنة، ومازال في نظر المسلمين هو الحل بعد انقضاء الألف سنة رغم أن كل شيء قد تغير حتى الله ( بمعنى النظرة إليه وفهمه) وفي قوانينه الاقتصادية والاجتماعية والإنسان في اختراعه لأديان ومعتقدات جديدة (سياسية وحتى عقائدية).

 كنا قد تحدثنا في نهاية الجزء الرابع من " المسيحية وعلم السياسة" عد طرح قضايا تتعلق بالحرية الدينية و أن الكنيسة أصبحت جزءا من الثقافة الحديثة، ثم أن الكنيسة لم تعد ذاك الموروث التاريخي الذي يشكل عبئا على المؤمنين أو غير المؤمنين بالمسيحية. تبقى الإجابة على السؤال الذي طرح سابقا : إذا انطلقنا من الخطاب "السياسي" للكنيسة، إلى أين يقودنا المذهب السياسي لهذه الكنيسة وخاصة " الرومانية" منها؟
ثلاث أطروحات يمكن مناقشتها ضمن هذا الإطار:

أولا ـ النظام السياسي و النظام الروحي يجب ألا نخلط بينهما و ألا نفصلهما:

من جانب، و بالتطابق مع الحكمة الإنجيلية، مجال السلطة السياسية و مجال السلطة الروحية هما مجالان مختلفان. يوجد زوايا متعددة يمكن النظر منها للقدر الإنساني، كما كتب سان توماس، مع كل واحد الوسائل و الغايات الخاصة به. الدولة لها قوانينها، الكنيسة لديها قوانينها أيضا. لكل مهنته. " في الميدان الخاص بهما، المجتمع السياسي والكنيسة هما مستقلان الواحد عن الآخر" ( Gaudium et spes, 76.3). ومن جانب آخر، الرسالة الدينية للكنيسة لا تتحدد بقطاع واحد خارج الوجود الإنساني، إنها تضم كل الإنسان. المسيحي يبقى دائما مسيحي، يجب ألا يعيش بشكل مزدوج أو بنسختين، بمعنى أن يكون مؤمنا يوم الأحد، وإنسان من غير عقيدة بقية أيام الأسبوع. ضمن هذا المعنى،الكنيسة عليها عمل الكثير حتى تكّون أو " تنفخ" روحا مسيحية في كل مجالات العمل الإنساني، أيضا ضمن هذا المعنى لا يمكنها أن تبقى غير مختلفة عن النظام السياسي و الاجتماعي حتى ولو أن هذا الأخير يتفق أو لا مع متطلبات الشخص أو الأشخاص." إنه غير مقبول،ويخالف الإنجيل، الإدعاء بتحديد الدين ضمن الفضاء الخاص بالشخص. إنه سيكون من التناقض أن ننسى بعده السياسي و الاجتماعي". ( جان بول II ، مدريد، 13 حزيران 1993).

 كيف يمكن الذهاب مع هاتين الرؤيتين؟ نموذج المصالحة أو التصالح يمكن، كما يظهر، أن يكتب كالتالي: لا يوجد مشروع سياسي مسيحي أو برنامج سياسي مسيحي، ولكن يوجد مبادئ سياسية مسيحية. الكنيسة ليس لديها حلول مجسدة واقعة أو تقنيات سياسية لتقدمها، " إنها لا تقترح أنظمة أو برامج سياسية واقتصادية، أنها لا تظهر كمرجع عند هؤلاء أو الآخرين، شريطة أن تكون الكرامة الإنسانية واجبة الاحترام و على أن يكون لهذه الكرامة و الشرف الإنساني الفضاء و المتسع الضروري لتكملة مهمتهما داخل هذا العالم". (جان بول،المرجع السابق،الصفحة 41).

  موضوع المذهب أو النظرية الاجتماعية للكنيسة لا يكون من أجل تعريف نموذج سياسي/اجتماعي،أو" طريق ثالث" بين الرأسمالية الليبرالية و الجماعية الماركسية collectivisme marxiste ، ولكن هو تثبيت لمبادئ و توجهات، مؤسسة على الوحي Révélation وعلى القانون الطبيعي. 

ضمن هذا المعنى أو الاتجاه، لا يوجد " سياسة مسيحية"، ولكن يوجد " متطلبات مسيحية في السياسة". مع ممارسة و تطبيق الحل، الأفضل سيكون " تعاون صحيّ وسليم " بين الكنيسة والدولة، آخذين بالاعتبار بعض الظروف. ( Gaudium et spes, 76.3 ).

 ثانيا ـ السياسة هي " فن نبيل":

السياسة هي فن لأنها في نفس الوقت مخصصة لغايات جوهرية و تابعة لظروف زمنية و مكانية. ولكن ما هي هذه الغايات؟ وفية لتقليدها و بشكل خاص لسان توماس، الكنيسة تذكر بشكل دائم بثلاثة مبادئ أساسية:
1 ـ السلطة السياسية هي خدمة، موجه إلى للخير المشترك وبشكل قاطع إلى خير الأشخاص.السياسة ليس شيء آلي ميكانيكي، لا تختزل إلى تقنيات، إنها فعالية أخلاقية تأخذ على عاتقها ظروف الحياة المشتركة و العمل، مستندة إلى الحرية و جوهر ومعنى المسؤولية، وضمن معنى الكمال الإنساني. المرجع هو خير موضوعي، إنه الإنسان الكامل، وليس جزء من الإنسان. حيث أن الإنسان البدائي حصل عليه.
2 ـ النظام السياسي يجب أن يحترم بل يرتقي ويرتفع بالبعد " التجمعي" للحياة الإنسانية. مجتمع منظم جيدا ليس تراكم
agrégat من الأفراد المعزولين تحت سلطة الدولة. بل يضم مستوى وسطي " وساطة"، إنه تجمعات مشاركة كل وفق مقياس معين. هذه " الأجسام الوساطة " لها أشكال مختلفة: العائلات "وهي الخلايا الأولى و الحيوية للمجتمع"، البلديات، الجمعيات و المنظمات، النقابات..الخ على أن تكون جميعها من تجمعات مختلفة من الأشخاص، هذه التجمعات تهدف لتحقيق فضيلة الاتصال و الارتباط الاجتماعي القوي وفي نفس الوقت تسمح لكل فرد بأخذ جزء ناشط وفعال من الحياة المشتركة. داخل الدولة، " الأجسام الواسطة" و الأشخاص، توزيع المهارات و الكفاءات يجب أن يخضع لمبدأ التناوب الذي وضعه Pie XI في عام 1931،بشكل دائم يتم تكراره : سلطة القرار يجب أن تمارس على أكبر قدر ممكن من قبل الناس. خير الإنسان يتطلب أن يكون هذا الإنسان لديه مسؤولياته، و أن يكون فاعلا مسؤولا، وليس موضوع أو شيئا سلبيا.

3 ـ الثابت في كرامة الإنسان لديه بعد سياسي/اجتماعي. تنظيم المجتمع يجب بطريقة لا تقلب العلاقات و الوسائل في النهاية: حيث أن الدول وجدت من أجل الإنسان و ليس الإنسان موجود من أجل الدولة، الملكية وجدت أيضا من أجل الإنسان وليس العكس،العمل أو الاستهلاك هما في خدمة الإنسان وليس الإنسان في خدمتهما، العلوم التقنية و التكنولوجيا هي منظمة و موجهة لخير الإنسان وليس العكس. الكنيسة تنبذ كل التفسيرات التي تُخضع الوجود الإنساني لمتطلبات جزئية أو إخضاعية كما في اتجاه économisme أو technicisme. الاتجاه أو المذهب الاجتماعي للكنيسة ولد مع Rerum Navarum ( 1891) حيث Léon XIII تحدث عن الظرف القائم للتكتلات العمالية. اليوم، القائمون على العقيدة يلتزمون أو يرتبطون قبل كل شيء باللامساواة التي توجد في هذا العالم. " القضية الاجتماعية هي اليوم عالمية" ( Paul VI ،Populorum Progressio ،1967، المدخل).

  الكنيسة تدعو إلى تطور وتنمية جوهرية و التي لا تفصل الاقتصاد عن الإنسانية و أن تحقق متطلبات و حقوق جميع الأشخاص. أن يكون لديك و أن تملك هذا شيء مهم ولكن على أن يكون ذلك في خدمة الكائن الإنساني.

بناءا على هذه المبادئ، الكنيسة تطلق العديد من التقييمات و الأحكام فيما يتعلق بالأنظمة لكنها لم تقف أبدا لصالح هذا أو ذاك الشكل من الحكم. في مواجهة الديمقراطية الليبرالية، الكنيسة تبين في نفس الوقت انتقادات و تقييمات لصالح هذه الديمقراطية. يجب التمييز هنا: القائم على العقيدة" يقدر" النظام الديمقراطي كضامن لمشاركة المواطنين في اختياراتهم السياسية، حيث يظهر مثل الليبراليين دعاة حقوق الإنسان، لكن أيضا يطعن في ديمقراطية مطلقة و كل ليبرالية راديكالية : إرادة الشعب لا تعود لها الشرعية الوحيدة في القرار، أيضا إرادة الفرد ليست الوحيدة التي تبرر مسيرة الحياة. المعيار الأساسي هو احترام الخير المنشد أو المقصود. الإرادة الإنسانية ليست صاحبة سيادة، العقل الإنساني ليس هو مقياس و قاعدة الأشياء. هنا يكون دائما "حجر عثرة" pierre d’achoppement بين الفكر الكاثوليكي و الفكر الحديث ( على الأقل في صيغته النقية الخالصة ).

الكنيسة تطرح العديد من المبادئ و التوجهات. تدعو أولئك الذين يمارسون مهنة السياسة و الذين اختاروها إلى هذه المبادئ. و المهم أولا، هي المعطيات الأخلاقية: أن لا يكون الشعب كتلة من البشر، أن يكون رجال السياسة أصحاب ثقة ويسعون نحو الكمال، أن يكون قلقهم الأول هو الخير المشترك. و المهم ثانيا، الأهلية و الجدارة أو العلم و المعرفة بالحكم وظروفه و حالاته الخاصة أي بمعنى آخر " الانتباه و الحذر". المسيحيون مدعوون لإعطاء القدوة و المثال. بما أنهم مواطنون، عليهم التصرف ليس باسم الكنيسة أو بإقحامها ولكن باسمهم الخاص ( في الفعل المجسد و الواقع، التعددية السياسية هي شرعية). بشكل آخر للقول، الكنيسة تنسب إليها التمييز أو التفريق الذي قام به Jacques Maritain بين " التصرف كمسيحي" و " التصرف بالمسيحية". استلهام المسيحية يجب أن يكون حاضرا بشكل دائم ولكن لا يوجد برنامج سياسي مسيحي.

ثالثا ـ السياسة لديها حدودها لكن التاريخ مفتوح للفضيلة والعفو.

الذي نستطيع أن نتأمله من السياسة هو بالطبيعة موجود لكنه لم يتحقق. نظام السياسة لن يكون لديه نهائيا قيما مطلقة، الرجاء أو الأمل المسيحي هو في جانب آخر أو أبعد من السياسة، بل أبعد من الزمن.ضمن نظامها الخاص، السياسة نذرت نفسها لعدم الكمال. إذا وجدت " بنىً للخطيئة " ، لا يوجد أنظمة سماوية.( جان بولII). في نهاية المطاف، كل شيء يعتمد على الإنسان و الإنسان منقسم في داخله لأن طبيعته مجروحة بالخطيئة. الشر داخل الإنسان، " الصراع ضد قوى الظلام والجهل تمر خلال كل التاريخ عبر الإنسان" وهذا سيستمر إلى نهاية الأزمان" أما المدينة الكاملة ليست من هذا العالم.
من جانب آخر وبشكل غير مرئي، الفضيلة موضوعة في التنفيذ داخل التاريخ و " المملكة"
Royaume بالحرف الكبير، هي مسبقا موجودة فوق هذه الأرض. المدينتان مختلطتان بشكل خفي أو غامض في هذا العالم. لهذا السبب، إذا كان من الواجب التمييز بعناية التقدم الإنساني نحو أو بتدرج باتجاه " حكم المسيح"، هذا التقدم هو مع ذلك مرتبط في جزء منه مع " المملكة " ضمن مقياس حيث " يأنس" humanise الحياة المشتركة للبشر. ( Gaudium et spes, 39.2). هذه " الخميرة " الإنجيلية تقرب الإنسان من الله (ونعتقد أن جميع الأديان تحتاج لهذه الخميرة)، إنها تقرب أيضا البشر من بعضهم أو فيما بينهم.
كذلك الكنيسة الكاثوليكية تجهد لتمسك بطرفي السلسلة، و أن تقدم ما عليها في المدينتين. إنها تعلم في نفس الوقت عدم كفاية العالم وعظمة الخلق، أسبقية الروحي و استقلالية السياسة، السير الغامض للتاريخ المقدس و فضائل النظام الطبيعي، ثم ضرورة وجود السلطة. المذهب الكاثوليكي يتناقض مع كل راديكالية أو مع كل طوباوية سياسية، إنه راديكالي في دعوته للأشخاص، إنه يقول بحكمة القانون الطبيعي. البعدان لا يتعارضان، الفضيلة والنعمة تعلي و ترفع الطبيعة، لكن تنظيمهما هو في حالة تجاذب وتقلب بين القطبين. أو ( بشكل مبسط) : الذي يجسده سان أوغستان و الذي تجسد من خلال سان توماس. التوتر بين المدينتين هو موضوع تعايش أو جوهر مشترك في الفكر الكاثوليكي.

     6ـ تحرير الإرادة.

من يقرأ الفلسفة السياسية الحديثة يرى أنها ليست متجانسة. مع ذلك نحن نصنف مجموعة من علماء السياسة أو المفكرين في مجالاتها و كأنهم في خانة أو مجموعة واحدة، كما هو الحال مع كارل ماركس،مونتسيكيو،ميكيافليي...، علما أن بينهم تناقضات كثيرة، إذا ما هو سبب هذا التصنيف ؟
في النظرة أو الوهلة الأولى، وحدة الفلسفة السياسية الحديثة تعود لنفس الرفض: الحداثة ترفض تقاليد الماضي وكأنها شؤم أو غير واقعية. أكثر عمقا، هذا الرفض يستند على أشياء مشتركة نستطيع أن ندعوها روح الحداثة و التي تعمل في اتجاه : انعتاق الإرادة. فكرة الانعتاق يمكن أن يكون مفكر فيها بشكل معتدل أو آخر متطرف. تاريخ الفلسفة السياسية الحديثة يظهر بشكل واسع و كأنها تعميق للإرادة الانعتاقية هذه. في مجريات هذا التاريخ، الحالة الجديدة تعود أو تخص العقل. هذه الحالة تتميز بعدة عناوين أو أشكال. أولا، الروح الحديثة تؤكد استقلال العقل في معنى واحد أكثر راديكالية من الفلسفة الكلاسيكية أو بالأحرى من الفلسفة الكلاسيكيةـ المسيحية. استقلالية العقل الحديث لا تعني فقط رفض مبدأ السلطة ( و بالتالي رفض السلطة السياسية و الدينية )، إنها تعني أيضا رفض مبدأ الغائية. الإنسان ليس نهائيا جزءا من نظام يتجاوزه( الكون عند اليونان)
Cosmos، الخلق وفق لمسيحية Création، ليس موجها أو منظما نهائيا إلى نهاية هي في طبيعته، إنه إنسان مستقل. إن تعرج الروح الحديثة يقود الاقتراح التالي: الإنسان هو سيد، إنه سيد العقل، الضمير و الإدراك. التقليد يجب أن يكون إذا مطعون فيه لأنه يضع الفرد في حالة من التبعية، إنه يمنعه من بلوغ رشده.

هذا العقل المستقل بشكل كبير وجذري هو، ثانيا، فاتح أو غاز. العقل عند القدماء و عند المسيحيين كان هدفه الحياة الشخصية: العقل يجب أن يسمح لكل منا بالسيطرة على أهوائه و أن يقود حياته بالتطابق مع طبيعته كحيوان عاقل. العقل الحديث يغير الاتجاه: إنه يرتبط بالعالم الخارجي و يمتد لتغيير ظروف الإنسان. أنه متقد بواسطة روح التحرر و الانطلاق و التي تهدف في نفس الوقت السيطرة على الطبيعة اليونانية و على العلم و التقنية، ثم السيطرة على المجتمع عبر تنظيمه بشكل عقلاني. مغامرة كبيرة وجديدة تفتح، إنها المغامرة الخارجية، التي تبدل أو تغير المغامرة الداخلية. العالم منظم، إنه قابل للتطويع أكثر مما اعتقدنا في السابق، وحرية الإرادة الإنسانية أصبحت أكثر كبرا. " العالم الطبيعي هو للاقتحام" يقول باكون وديكارت،" الإنسان يجب أن يصبح سيدا و مالكا"، أما ماركس فيدعو لولادة عالم جديد. تحت شكل أقل أو أكثر راديكالية أو أقل أو أكثر اعتدالا، الروح الحديثة تمتد لإعادة التفكير في العالم من أجل تغييره. يتبع ذلك أن الفارق التقليدي بين النظرية و التطبيق سيصبح أقل بروزا و تضعف معالمه. المعرفة هي سلطة، إنها تعد بعصر جديد لظروف الإنسان.

ثالثا، هذا الاتجاه الجديد للعقل يعني ما يلي: من جانب العقل الحديث هو فاتح أو غاز،ومن جانب آخر هو عقل خادم. العقل يعطي القدرة على تغيير الأشياء الخارجية، إنه يمتد حتى يترك إدارة الأشياء الداخلية. بشكل آخر للقول، يوضع في خدمة حرية أكثر فأكثر ليس لها حدود، إنه يترك المجال أمام الرغبات الإنسانية. الروح الحديثة فرغت بشكل متدرج فكرة الطبيعة الإنسانية من كل جوهر و نختم الفكرة بالقول: الطبيعة هي حرية نقية صافية، تُبنى داخل و بواسطة التاريخ أو تُبنى كما يراها كل فرد ويفهمها. تحت شكلها النقي الخالص أو شكله الراديكالي، الفكر الحديث يعتبر الإنسان كخالق لنفسه. بمعنى آخر الإرادة تمحي الطبيعة. العقل يبادر بالفعل، إنه بذلك يشكل أداة و يدير الوسائل وفق القوة أو الاستطاعة الإنسانية، استطاعة يجب أن تستخدم من أجل إعادة الحياة أكثر مدة أو طولا، و أكثر راحة، أكثر غنى ممكن، أو استطاعة وقوة يبحث عنها بحد ذاتها.

 بالمقارنة مع الكلاسيكيين، الحديثون يطلبون في نفس الوقت أقل أو أكثر من العقل: من جانب هم يرتقون به و من جانب آخر ينزلون به.في النتيجة،النتائج هي معكوسة: من الآن فصاعدا يوجد مجتمع أو نظام اجتماعي وفق العقل ولكن لا يوجد حياة وفق العقل.

 السياسة بذلك تغير من طبيعتها. الثورة الحديثة تعني أن السياسة تتجاوز السلطة السماوية و السلطات اللاهوتية. بعمق أكثر، المشروع الحديث يعني أن السياسة تتوقف عن أن تكون فنا لتصبح بذلك تقنية أو تكنيكا. التعريف النهائي للسياسة يترك المكان لتعريف أداتي Instrumentale. موضوع السياسة وفق التقاليد كان العمل من العيش الجيد للإنسان، موضوع السياسة وفق الفلسفة الحديثة هو التنظيم و بشكل عقلاني للعالم الاجتماعي في خدمة الانعتاق الإنساني. بالنسبة للكلاسيكيين، السياسة تبقى بشكل ضروري بجانب العقل، وعند الحديثين، المشكلة السياسية لديها حل عقلي. هذا الحل هو مؤسساتي. الفلسفة الحديثة لا ترتبط نهائيا بفضائل الفاعلين، إنها تعتمد على فضائل النظام.

 الفلسفة السياسية أيضا تغير من طبيعتها ومن خلال إستراتيجية. الفلسفة لا تفعل سوى توضيح السياسة، لديها دعوة للحكم. إرادة عقلنة السياسة بشكل كبير تبرر سياسة جديدة للفلسفة: الكتابات الحديثة لديها،بشكل عام، طابع نضالي. التحليلات هي أيضا برامج أو بيانات. اللغة المزدوجة التي يستخدمها الحديثون بشكل مستمر ليس لديها نهائيا نفس المعنى كما عند " اليونان". إنها لا تهدف لوقاية و صيانة الرأي و الفلسفة، بل تهدف لفتح الآفاق أمام الرأي و لنشر الفلسفة. اللغة المزدوجة هي باطنية ésotérique من أجل الدوران على الرقابة و النقد، وهي ظاهرية exotérique من أجل الإقناع من غير تصادم. فالمشاريع الكبرى تحتاج مناورات كبرى.

 في التفاصيل بشكل مؤكد الأشياء أكثر تعقيدا بكثير. في البداية تاريخ الفكر ليس تماما هو مستقيم. فكرة التجذير radicalisation المتدرج للفكر الحديث لم يتم استغراقها إلا تحت مجموعة تحفظات ( ميكيافلي هو أكثر راديكالية من مونتسكيو). فيما بعد الفلسفة السياسية الحديثة ستقسم في تيارات مختلفة. إما، نبسطها مجددا فنقول: من جانب الليبراليين ( بالمعنى الواسع) من أجل انعتاق الأفراد أو حريتهم المستقلة تمر عبر الوضع في التنفيذ تقنيات تحافظ على الحرية؛ من جانب آخر الانعتاق من التاريخ السماوي الإلهي حتى يكون انعتاق الإنسانية داخل و بواسطة التاريخ، والسياسة ستزود بالتقنيات من أجل التحرر. إنهما وجها الحداثة. في الأصل، يوجد الثورة الأخلاقية مصنوعة بكل معرفة بالوقائع بواسطة الرائدين الكبيرين للفلسفة السياسية الحديثة: ( نيكولاس ميكيافلي) و ( توماس هوبز).

كتاب"الأمير" الذي وضعه ميكيافلي ( 1513) ينتمي إلى شكل أدبي تقليدي : " مرايا الأمراء". هذا الكتاب يأخذ مكانه في سلسلة طويلة ضمن المؤلفات حول فن الحكم. ولكن إذا كانت القربة "الزجاجة" قديمة فإن النبيذ هو جديد. الذي يطوره ميكيافلي ( 1469 ـ 1527)، من غير أن يرفع نبرة الصوت، هي مجموعة من الوصايا والتي بما أنها وصايا للحكم : " لأن البشر إما أن يدمروا بعضهم وإما أن يتلاطفوا "، لأنهم يذهبون إلى الثأر لأقل الأسباب ( الفصل الثالث)، " إنه من المؤكد أن يخافوك الناس أكثر مما يحبوك" (الفصل السابع عشر)، " يجب أن يكون الأمير متصنعا بشكل كبير ومنافقا أيضا" ( الفصل الثامن عشر). في النتيجة بماذا ينصح ميكيافلي؟


إنه ينصح الملك بأن يأخذ بوسائل الطاغية. تحت ريشته، وفي جميع الأحوال في كتاب "الأمير"، التمييز القديم يُمحى لأن عالم الأخلاق أو عالم ميكيافلي هو نقيض للعالم الأخلاقي لأفلاطون،أرسطو و سان توماس. العلاقات بين السياسة، الخير والشر تغيرت في معناها، كما تغيرت في معنى الكلمات المتعلقة "بالفضيلة" و "الحكمة". التعليم الواضح والمعلن عند ميكيافلي هو تهذيب الأخلاق وفق الضرورة : الشر هو ضروري في السياسة و هذه الضرورة مبررة.

 ميكيافلي هو مفكر جرئ،حاذق و أيضا لغزي مبهم. كيف نشرح أخطاءه الظاهرة و الواضحة جدا، وتناقضاته أيضا التي نجدها في نصوصه؟ كيف ينصح "الأمير"، حيث يأخذ وجهة نظر الملكية ـ الطاغية؟ ما هي آخر كلمة لرجل باعترافه الخاص مارس الفن الذي أوصى به الأمير وهو " النفاق و التصنع": " منذ بعض الوقت لا أقول نهائيا ما أفكر وأعتقد به، و لا أعتقد نهائيا بما أقول" ( رسالة كتبت في 17 أيار 1521 إلى Guichardin)؟ جرأة ميكيافلي تذهب،كما يظهر، أبعد من تعليمه المبين: المشروع الميكيافلي هو مشروع  لقلب وتدمير العالم الكلاسيكي ـ المسيحي، لا يهدف فقط إلى تقويض الدور السياسي للكنيسة، إنه يهدف لتغيير وبشكل جذري التعاليم التي تدير وتحكم البشر. هذا الذي يظهر أو يقدم كمستشار للأمير هو في الواقع المُعلّم الخفي للأمراء الجدد. إنه المربي أو المنشئ لفضاء جديد لرجال السياسة. ميكيافلي يهدف " لحكومة غير مباشرة" للبشر كما يرى ( Harvey Mansfield) من خلال تدخل عدد قليل من أولئك الذي لديهم القدرة على متابعة تعاليمه حتى النهاية. البشر العاديون غير قادرين لسماعه بشكل حقيقي أو حتى أن يأخذوا بشكل جدي ما يقوله بوضوح. هؤلاء هم الجبناء،إنهم لا يتجرؤوا، إنهم لا يفهموا هؤلاء الذين يتجرؤون. إنهم مدعوون ليكونوا مخدوعين. في الفصل الخامس عشر من "الأمير"، ميكيافلي يبين بشكل دائم الجديد في خطوته: " لكن قصدي هو كتابة شيئا مفيدا لمن يسمعه. كثيرون تخيلوا جمهوريات و ملكيات لم تتم نهائيا رؤيتها أو معرفتها بشكل حقيقي.

  في الواقع،هناك بعد كبير بين الشكل الذي نعيش والشكل الذي يجب أن نعيش". ميكيافلي يعارض " الأشياء التي تخيلناها" و " الأشياء التي تبدو حقيقية"، بمعنى آخر تحليل الفلسفة الكلاسيكية و الفلسفة الكلاسيكيةـ المسيحية. فكر أفلاطون و من جاء بعده هو غير واقعي، إنه أسس على فكرة خاطئة بشكل كبير: الإنسان منظم و مرتب بواسطة دعوته إلى الحياة وفق الفضيلة. في الواقع،البشر هم كليا شيء مختلف. إنهم أشرار و محرومون من النهايات الطبيعية. ينبغي إذا إعادة التفكير في موضوع السياسة منطلقين من أهداف تكون بشكل حقيقي متابعة و ملاحقة من قبل الإنسان. ميكيافلي يقلص أو يخفض بعزم و ترو قواعد الفعل السياسي. النظام الأفضل عند الكلاسيكيين هو وهم. النجاح العملي يفرض أن نأخذه" بالحقيقة الفعلية للأشياء".

 ما هي إذا أهداف السياسة كما يقدمها أو يراها ميكيافلي خاصة في كتابه " الأمير" ؟ وهل هي في خدمة الأمير ـ الطاغية ؟ وهل حقيقة ميكيافلي لم يقل كلمة واحدة خلال خمسة وعشرين فصلا من الكتاب عن الخير العام في تمييزه عن خير الملك ؟ هذا ما سنراه لاحقا مع دراسة الفكر السياسي عند ميكيافلي.                       

 

#1  
28 نوفمبر 2013 - 16:11
عضو مبتدئ

تاريخ التسجيل: 28 نوفمبر 2013
المشاركات: 1
معدل المشاركة: 0
نقاط التميز: 0
الجنس: 
اقتباس
مشكور على الموضوع الجميل

و ان امكن اسم المرجع ان وجد
رد جديد

الأعضاء الذين يشاهدون الموضوع: 1 (الزوار: 1 - الأعضاء: 0)
 

لأحسن تصفح لهذا الموقع ننصح باستخدام متصفح فيرفكس أو كروم